القرطبي

116

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة لها ، وهذا مذهب السالمية . الثاني : أنّها كانت عينا معنوية فقأها بالحجة ، وهذا مجاز لا حقيقة له . الثالث : أنّه لم يعرفه ، وظنّه رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه ، فدافع عنها ؛ فلطمه : ففقأ عينه ؛ وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن ، وهذا وجه حسن ، لأنه حقيقة في العين والصك ؛ قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة ، إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه ؛ وهو أن ملك الموت عليه السلام لما رجع إلى اللّه تعالى ؛ قال : « يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت » فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت . الرابع : أن موسى عليه السلام كان سريع الغضب ، وسرعة غضبه كانت سببا لصكّه ملك الموت ؛ قاله ابن العربي في الأحكام ، وهذا فاسد ، لأن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب . الخامس : ما قاله ابن مهدي رحمه اللّه : أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء ، فكأن موسى عليه السلام لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه . السادس : وهو أصحها - إن شاء اللّه - وذلك أن موسى عليه السلام كان عنده ما أخبر نبينا عليه السلام من أن اللّه تعالى لا يقبض روحه حتى يخيّره - خرجه البخاري وغيره - فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه ، فلطمه ففقئت عينه ، امتحانا لملك الموت ، إذ لم يصرح له بالتخيير ، ومما يدل على صحة هذا ؛ أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت ، اختار الموت واستسلم ، واللّه بغيبه أعلم وأحكم . ذكره ابن العربي في قبسه بمعناه . والحمد للّه . وقد ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد اللّه في « نوادر الأصول » حديث أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كان ملك الموت عليه السلام يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه » الحديث بمعناه « 1 » . وفي آخره : « فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية » . * * *

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 533 ) بإسناد صحيح على شرط مسلم ، كما قال الشيخ الألباني في تحقيقه على كتاب « السنة » لابن أبي عاصم ص 267 .